بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله خلق الخلقَ ودرَى، وقدَّر لأوليائِه الخيرةَ على كل الورَى، ليكونوا للعالمين في شُمِّ الذُّرَى، ويظهروا بدينهم على كل القُرى، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا شكَّ ولا امتِرا، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه خيرُ من وطِئَ الثَّرَى، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله وأصحابِه أسود الشَّرَى، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله تعالى واعتصِموا منه بأوثقِ العُرى، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 102].
عباد الله:
الهمةُ العاليةُ شرفٌ ومقصدٌ، الهِممُ تعلُو بالأمم إلى أعالِي القِمَم، وتُوصِلُ إلى معالي الأمور ومحاسن الشِّيَم، والرِّفعةُ منحةٌ إلهية، (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) [المجادلة: 11].
أثنَى الله تعالى على أصحاب الهِمَم العالية من الأنبياء والمُرسَلين، وأوصَى نبيَّه بالاقتِداء بهم، فقال له: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) [الأحقاف: 35].
كما أثنَى على أوليائه الذين كبُرت همَّتُهم في مواطن البأس والجلَد، والعزيمة والثبات، والقوة في دين الله، (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) [الأحزاب: 23].
وأمرَ الله – سبحانه – بالتنافُس في المعالِي، فقال: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) [البقرة: 148].
وعلَّم النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – أمتَه علوَّ الهِمَّة، فقال: «إن في الجنةِ مائة درجة، أعدَّها الله للمُجاهِدين في سبيلِه، كل درجتين ما بين السماء والأرض، فإذا سألتُم اللهَ فاسألُوه الفِردوس؛ فإنه أوسطُ الجنة، وأعلى الجنة، وفوقَه عرشُ الرحمن، ومنه تفجَّرُ أنهارُ الجنة»؛ أخرجه البخاري.
ورُوي عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أنه قال: “لا تصغُرنَّ همَّتُكم؛ فإني لم أرَ أقعدَ عن المكرُمات من صغر الهِمَم”.
وذمَّ الله المهازيلَ الهابِطين إلى الأهواء، (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [الأعراف: 175، 176].
عباد الله:
إن دينًا هذا شأنُه لا يقبلُ من أتباعه الكسلَ والخُمولَ والعجزَ والسكونَ والاستِرخاءَ، وضعفَ الهمَّة والفتور، (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ) [الشرح: 7، 8].
ولأن طلبَ الراحة في الدنيا لا يصِحُّ لأهل المُروءات فقد كان من أوائل ما أُمِر به نبيُّنا محمدٌ – صلى الله عليه وسلم -: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا) [المزمل: 1، 2].
فضحَّى النبي – صلى الله عليه وسلم – وأصحابُه، وهجَروا الأوطان، وترَّبُوا لأجل الله، وبالتضحيات الجِسام انتصَروا في بدرٍ، وبالصبر واليقين نجَوا من الأحزاب، ونفَروا في أحلَك الظروف إلى تبوك، وتبِعوا نبيَّهم في ساعة العُسرة، ولما قيل لهم: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ) [آل عمران: 173]، زادَهم ذلك إيمانًا وثباتًا، وقالوا: (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) [آل عمران: 173].
وبعد وفاة النبي – صلى الله عليه وسلم – لم يكسَل الصحبُ الكِرامُ؛ بل علَت هِمَمهم حتى غلَبوا أعظمَ حضارتَين، وخفَقَت راياتُهم في روابِي المشرقَيْن، وملئوا الدنيا حضارةً وعلمًا وهُدًى في أخبارٍ وسِيرٍ تأسِرُ القلوبَ، وتأخذُ بالألباب، ولولا التأريخُ لقيل: ضربٌ من الأحلام.
ولقد كانوا بشرًا من البشر، لكنَّ قلوبَهم صاغَها الوحيُ، فتعلَّقَت بالسماء، اصطفاهم الله وامتحَنَهم، فصدَقوا ونجَحوا.
وهكذا ربَّى النبي – صلى الله عليه وسلم – الصحابةَ، حتى صاروا قادةَ الأمة في العلم والجهاد والقيادة.
أيها المسلمون:
إن الأمةَ اليوم بحاجةٍ إلى من يشُدُّ على قلوبِ أبنائِها، ليُصبِحوا رجالاً، فقد أصبحَ الكثيرُون يعدُّون أنفسَهم من أهل الجنة بمجرَّد عملٍ يسيرٍ أو طاعةٍ محدودةٍ، دون تضحيةٍ وفداءٍ. وكأنَّ الله لن يتَّخِذَ منا شهداء، حتى لقد أصبحَ الإسلام عند البعض مُجرَّد سُلُوكٍ اجتماعيٍّ ربما يُشارِكُهم فيه غيرُهم، ويتفوَّقُ عليهم آخرون.
رابط الموضوع : http://www.assakina.com/khotob/24202.html#ixzz3rjWkS3po
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق